ابن قيم الجوزية

306

الروح

باعتبار كل صفة باسم فتسمى مطمئنة باعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته ومحبته وللإنابة إليه والتوكل عليه والرضا به والسكون إليه . فإن سمة محبته وخوفه ورجائه منها قطيع النظر عن محبة غيره وخوفه ورجائه ، فيستغني بمحبته عن حب ما سواه وبذكره عن ذكر ما سواه وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه ، فالطمأنينة إلى اللّه سبحانه حقيقة ترد منه سبحانه على قلب عبده تجمعه عليه ، وترد قلبه الشارد إليه حتى كأنه جالس بين يديه ؟ يسمع به ويبصر به ويتحرك به ويبطش به ، فتسري تلك الطمأنينة في نفسه وقلبه ومفاصله وقواه الظاهرة والباطنة تجذب روحه إلى اللّه ويلين جلده وقلبه ومفاصله إلى خدمته والتقرب إليه ولا يمكن حصول الطمأنينة الحقيقة إلا باللّه وبذكره وهو كلامه الذي أنزله على رسوله كما قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 1 » . فإن طمأنينة القلب سكونه واستقراره بزوال القلق والانزعاج عنه ، وهذا لا يتأتى بشيء سوى اللّه تعالى وذكره البتة ، وأما ما عداه فالطمأنينة إليه وبه غرور والثقة به عجز قضى اللّه سبحانه وتعالى قضاء لا مرد له أن من اطمأن إلى شيء سواه أتاه القلق والانزعاج والاضطراب من جهته كائنا من كان ، بل لو اطمأن إلى سواه أغراضها بسهام البلاء ليعلم عباده وأولياؤه أن المتعلق بغيره مقطوع ، والمطمئن إلى سواه عن مصالحه ومقاصده مصدود وممنوع . وحقيقة الطمأنينة التي تصير بها النفس مطمئنة أن تطمئن في باب معرفة أسمائه وصفاته ونعوت كماله إلى خبره الذي أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله فتتلقاه بالقبول . والتسليم ، والإذعان ، وانشراح الصدر له ؛ وفرح القلب به . فإنه معرف من معرفات الرب سبحانه إلى عبده على لسان رسوله ، فلا يزال القلب في أعظم القلق والاضطراب في هذا الباب حتى يخالط الإيمان بأسماء الرب تعالى وصفاته وتوحيده وعلوه على عرشه ، وتكلمه بالوحي بشاشة قلبه ، فينزل عليه نزول الماء الزلال على القلب الملتهب بالعطش ، فيطمئن إليه ، ويسكن إليه ، ويفرح به ، ويلين له قلبه ومفاضله حتى كأنه شاهد الأمر كما أخبرت به الرسل ، بل

--> ( 1 ) سورة الرعد ، الآية 8 .